داعش بين الحقيقة وخيال نظرية المؤامرة

basmala_01il_fullxfull.418001820_i14l وصل الضعف المعنوي والخمول الفكري عند كثير من المسلمين لدرجة تدمع لها عين العدو قبل الحبيب. هل بالفعل لا نستطيع أن نفكر بطريقة منطقية تأخذ بالحقائق على أرض الواقع ونفضل عزو كل ما نراه في منطقة الشرق الأوسط إلى نظرية المؤامرة الكونية على المسلمين من جهة الغرب؟ جدير بالذكر هنا أننا العرب حينما نستخدم لفظ “المسلمين” نعني في الحقيقة العرب بالتحديد وليس المسلمين كافة. هناك مسلمون في تركيا وماليزيا واندونيسيا ولا نرى أنهم يعانون كما نرى المسلمين في بورما وكشمير يعانون هناك. إذا حصرنا تفسير الأحداث السياسية في العالم على أنها مكائد ومؤامرات ضد الإسلام فإننا أولا سنجد فشل هذا التفسير حينما نأخذ جميع المسلمين في عين الاعتبار، وثانيا وهو الأهم، سنجد أنفسنا في موقف نعجز فيه عن التعامل مع الأحداث وتوقع النتائج لأي قرارات تتخذها أي من الحكومات سواء كانت غربية أو عربية

التركيز على نظرية المؤامرة هو خط الدفاع الأخير للضعيف الذي تقبل عجزه وأقر بعدم قدرته على تغيير وضعه الراهن. الإيمان بنظرية المؤامرة اعتراف ذاتي بالهزيمة المعنوية وهذا أخطر نوع الهزائم لأن الإنسان إذا قبل بالانهزام المعنوي فلا سبيل له بعد ذلك إلى أن يفكر بطريقة سليمة فضلا عن أن يخطط أو يفعل أي شيء إيجابي تجاه تحسين واقعه. نظرية المؤامرة تعطي تفسيرا يسمح للمرء أن يتخذ منه غطاءا لهذه الهزيمة المعنوية أمام الناس، فيظن أنه بذلك يستجلب العذر منهم والشفقة على حاله المزري. زد على ذلك أن نظرية المؤامرة تنمي القدرة على التفكير الخيالي والأسطوري وبذلك تضمحل القدرة على التفكير المنطقي المبني على ما يحدث فعلا في أرض الواقع

جاذبية نظرية المؤامرة تكمن في أنها مزيج من الحقيقة والخيال، فالبشر بطبيعتهم لا يقبلون الباطل إلا إذا كان مشوبا ببعض الحقائق إذا عرضت أمامهم بطريقة تسمح بقبوله. لدينا الآن ظهور تنظيم داعش الذي ظهر بأسلوب أثار ريبة الكثير بسبب سرعة صعوده وقوته. بالطبع ذهب البعض إلى أنه تنظيم شكلته إيران وأمريكا كجزء من المؤامرة الشيعية الأمريكية ضد أهل السنة في المنطقة

في الحقيقة ليست هناك مؤامرة ضد أهل السنة لأنهم أهل سنة. ما نراه اليوم هو نتيجة مفارقة بين مفهوم الدولة الحديثة النظري وواقعها. من المفترض أن الدولة الحديثة لها حدود جغرافية تجعلها مستقلة عن باقي دول العالم، لكن في الحقيقة نحن نعيش واقعا يقول عكس ذلك. الحياة العصرية كما نعيشها الآن لم يكن لها أن تكون كما هي لولا انتهاكات تمارسها الدول القوية ضد الدول الضعيفة كي توفر ما تحتاجه لتلبي رغبات شعوبها. على سبيل المثال، لولا استعباد الأطفال في ساحل العاج لما استطعنا أكل كثير من الشوكولا المتواجدة في الأسواق، ولولا الحرب الأهلية في بلاد الكونجو لافتقدنا الكثير من تليفونات الجوال. هناك الكثير من الأمثلة التي بوسعنا التطرق إليها والتي تمس الكثير من الأشياء في حياة من نسميه بالإنسان “العصري” والذي هو في الحقيقة إنسان لا أخلاقي ويرفع صوته ضد الظلم فقط إذا مسه شخصيا ولا يبالي بمعاناة الآخرين إذا كانت هذه المعاناة تؤدي إلى رفاهية أكثر بالنسبة له

أي إنسان يدعي أن داعش صناعة أمريكية أو إيرانية  بطريقة مباشرة، وأن المدعو أبوبكر البغدادي عميل من إيران أو من الموساد فهو إنسان يهرف بما لا يعرف. كل ما عليك فعله هو قراءة إصدارات داعش وبالذات مجلة (دابق) التي تحتوي على مقالات فيها تفصيل أكثر لكيفية استدلالهم الديني لشرعنة الجرائم الداعشية والذي سيجعل الأمر يتضح جليا أن من ينتمي إلى داعش هم بالفعل من بني جلدتنا ولهم اطلاع بالتراث الإسلامي وإن لم يفقهوا منه شيئا. نعم، لنا أن نقول بأن داعش صناعة أمريكية من ناحية أن عصابة قطاع الطرق هذه ليست إلا النتيجة المنطقية للسياسة والصراعات الأمريكية/الروسية في المنطقة، فهي إذن بمثابة الإبن غير الشرعي لذلك. أما دعوة أن داعش صنعتها إيران أو أمريكا مباشرة تدل على أن من يدعي ذلك يفضل العيش في عالم الخيال والأوهام

الدواعش يمثلون طريقة في التفكير كانت ولا تزال موجودة قبل انتقالها إلى أرض الواقع حين وجدت المناخ المناسب للتشكل كما نراها اليوم. طريقة التفكير الإقصائية والتي يدعي من يأخذ بها أنه حامل الحق، كل الحق، ولا شيء سوى الحق هي السرطان الخبيث الذي استشرى في جسد الأمة. هناك عدد لا بأس به من العلماء الذين كتبوا قديما وحديثا في أدب الاختلاف مع الآخر، لكننا أمة اقرأ التي لا تقرأ ومن يقرأ فيها أغلبهم لا يتزين بأدب من يقرأ. إيماننا بما نؤمن به لم ينتج عن قناعة ذاتية وإنما نتج مقرونا بنقض وانتقاص حق الآخر لدرجة أن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن للمسلم أيا كانت عقيدته أو مذهبه أن يكون مسلما إذا كان وحيدا في جزيرة نائية حيث لا يستطيع أن يعرب عن وجوده بالأسلوب السائد الآن؟ إذا أخذنا وقفة تأمل صادقة مع أنفسنا سنجد أن الأمة الإسلامية اليوم إيمانها ليس ناتجا عن قناعة ذاتية وإنما عن عراك داخلي بين بعضنا البعض نأخذ منه ذريعة لاتهام بعضنا البعض بالعمالة لصالح عدو يتربص من خارج الأمة. بالطبع هناك من يتعامل مع أعداء شعبه لصالح مطامعه الشخصية، ولكن هذا الاستثناء هو الذي جعلنا منه الأصل

العجيب في كل هذا أننا لم نسمع كلام الرسول ﷺ ونأخذ حذرنا كما ينبغي: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم

قبل إلقاء اللوم على إيران أو أمريكا أو الجن الأزرق علينا أولا أن نسأل سؤالا قد لا يريح الكثير أن يسأله فضلا على أن يجيب عليه: أنحن دواعش فكريا؟ هل نحترم حق الإنسان أن تكون له قناعات شخصية مخالفة لقتاعاتنا؟ ماذا لو كانت هذه القناعات مخالفة لما تراه أنت أنه الحق؟ كثير من الناس يظن أنه حامل للحقيقة ولكن الواقع أنه ينقل ما قيل له أنه الحقيقة من أناس وضع ثقته فيهم وجعل من نفسه حارسا لمصداقيتهم. إذا أردت أن تحلل أسباب تقدم الأوروبيين والأمريكان على المسلمين عامة والعرب خاصة فاعلم أن قبل الأسباب السياسية والاقتصادية هناك سبب يراه الكثيرون أنه تخلص أوروبا من الدين وهذا خطأ، لأن معاناة الأوروبيين لم تكن بسبب الدين وإنما بسبب متسلطين بإسم الدين، وهذا ما يعانيه العرب والمسلمون اليوم. بغض النظر عن الأوضاع السياسية في المنطقة، الحقيقة هي أن داعش ليست إلا انعكاس لفكر سقيم ومرض روحي متفشي بين المسلمين وتحقيق لقوله تعالى (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) يونس ٢٣