الإعلام المصري وزعزعة الثقة بالدين

basmala_01

الأزهري بحيري الجفريليس من دأبي مشاهدة المناظرات والبرامج المطولة. أفضل القراءة حيث أجدني في حوار مع الكاتب ولا يقاطعنا المقدم ليذهب إلى “فاصل وسنعود”. التلفاز يعمل على الإثارة لاستقطاب أكبر عدد من المشاهدين والهدف من ذلك ليس التعليم أو زيادة الوعي العام بالقضايا المصيرية. الهدف بيع صابون الغسيل وآخر موديل سيارة. زيادة الوعي منحصرة في زيادة وعي المشاهد بالبرامج المثيرة الأخرى على نفس القناة، وهذا أيضا لبيع دقائق للمزيد من الإعلانات عن صابون الغسيل وآخر موديل سيارة

الإعلام إن أجاد شيئا فهو زيادة التضليل والارتباك الفكري عند المشاهدين. قد يكون هذا مقصودا وقد يكون نوع من الآثار السلبية الناتجة من البرامج السارية. الملايين من الناس يصرفون من الوقت الكثير في مشاهدة ما يضر ولا ينفع, وإن كان ذلك تحت غطاء الثوب والعمامة. بالطبع لا أقصد هنا التعميم وبخس حق من يحاول أن يستخدم هذا الوسيط لإفادة المشاهد والتأثير الإيجابي عليه وقد نجح البعض في ذلك. لكني أزعم أن المفسدة من التلفاز أعظم بكثير من المصلحة

لكثرة الحديث عنها شاهدت حلقة ممكن مع خيري رمضان التي ظهر فيها الحبيب على الجفري والشيخ أسامة الأزهري ليناقشوا إسلام بحيري في أطروحاته التي يبدو أنها أقامت الدنيا وأقعدتها في مصر. أربع ساعات ونصف من الحوار الذي استطاع فيه إسلام  بحيري من طرح عشرات المسائل ولم يتسع الوقت لأي من الضيفين من الإجابة الوافية لأي منها. كل ما اتسع الوقت لأجله هو أن يعرضوا رؤوس أقلام الإجابات وهذا يعود لطبيعة الوسيط الذي ظهرت عليه هذه المقابلة. برنامج على قناة في التلفاز موجه لعامة الناس لا يحتمل مناقشة علمية بين علماء ليردوا على أطروحات مثل التي عرضها بحيري، وقد حاول الأزهري التبسيط ومع ذلك وجد نفسه يطالب من مقدم البرنامج أن يبسط أكثر لأن المشاهد سيجد نفسه تائها بين المعطيات والنقاش الدائر. العجيب هنا أن بحيري صرح أنه لا يرى الشريعة علما مستقلا وتخصصا يحتاج المرء أن يدرسه بطريقة ممنهجة على أيدي علماء، مما يلزم منه أن الأزهري والجفري وغيرهم قوم لا قيمة لهم بما أنهم يدعون التخصص في علم لا وجود حقيقي له

بغض النظر عن سرد التفاصيل في تهافت كلام بحيري ونقض ما قاله عن التراث الإسلامي، وجدت نفسي أحلل أسلوبه في الحديث أولا وأثر ذلك على المشاهد ثانيا. من الواضح لأي طالب علم أن بحيري لا يفقه ما يقول والدليل على ذلك في تمسكه بطرح القضايا. هناك مقولة لأينشتاين يقول فيها أن المرء لا يفهم المسألة إن لم يستطع أن يشرحها لجدته، بمعنى أنه إن لم يستطع شرح حيثيات المسألة وما تبنى عليه من غير اللجوء إلى الحديث عن المسألة بعينيها فهذا دليل على أن المتكلم لم يفهم حقيقة ما يتكلم فيه. أربع ساعات ونصف لم يستطع خلالها بحيري من تجنب الحديث في القضايا التي يطرحها في برنامجه لأنه بكل بساطة لا يفقه شيئا. بشهادة جامعية أو بغير شهادة، كل ما فعله إسلام بحيري هو الإتيان بمسائل مثارة من قبل المستشرقين في الغرب وادعى طرحها بأسلوب لم يسبق إليه. لكنه في الحقيقة مشتت الذهن بلا منهج واضح ومتشرب عقدة النقص حتى النخاع

بالرغم من ذكر ذلك لا يهمني إسلام بحيري بقدر ما يهمني المشاهد. الحقيقة أن نتيجة الحلقة لا تهم بقدر أن بحيري استطاع أن يطرح ما يريد طرحه بطريقة توحي بالمنطقية كما وصفها مقدم البرنامج لمشاهدين أغلبهم لم يدرسوا ما يرفض بحيري أن يقبل تسميته علما. ما حدث من خلال هذه الحلقة هو مثال لما يبدو أنه أصبح ديدن البرامج على التلفزيون المصري وهو زعزعة ثقة الشعب بالدين الإسلامي وثوابته. كتب عبدالرحمن يوسف مقاله الآخير بعنوان “هل تهدم الدولة المصرية الإسلام؟” مجيبا بنعم. لكن يوسف لم يتطرق لدور الإعلام في ذلك

قوة الإعلام تكمن في أنه يتحكم في عقول الناس. إن أردت أن تجعل البريء مجرما والمجرم بريئا فعليك بالإعلام. الكثير من الناس يظن أن زواج الشواذ جنسيا في الغرب حيث يتزوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة أجيز عن طريق الديموقراطية وصناديق الاقتراع. هذه كانت خطوة شكلية بعد أن تم تغيير قناعات الشعب عن طريق الإعلام. الكثير أيضا يظن أن انتشار الإلحاد في الغرب يعود إلى تقدم العلم الحديث أي التجريبي. الحقيقة أن أغلب الناس هنا في الغرب بما فيهم الملاحدة لا يملكون القدرات أو المبدأيات العلمية والفلسفية لفهم نظريات العلم التجريبي. انتشار الإلحاد يعود أولا للإعلام الذي يبث البرامج والمسلسلات والأفلام التي تستخدم لنشر الأفكارالإلحادية، وهذا ما نراه الآن في مصر

خذ برنامج إسلام بحيري على سبيل المثال. الأضواء، الموسيقى، أسلوب الحديث، التشويق، وكل هذه الأساليب التي لا تمت للعلم والعقلانية بأي جهة ولكنها توحي للمشاهد بأهمية الموضوع وأنه يكشف المستور. الطريقة هي طريقة القصاصين وإن اختلف الموضوع. كلما أعطى بحيري مشاهديه إيحاء أنه يفرقع قنابل في التراث الإسلامي عن طريق المؤثرات في الاستوديو كلما كان لطرحه دويا في الشارع المصري وإن كان فارغا من أي منهج أو محتوى علمي

إسلام بحيري وأمثاله لا يحتاجون منا الرد على ما يطرحونه. الأحرى هو التنقيب عن المصادر الفكرية والنفسية لما يطرح قبل الإجابة عليه. في كثير من الأحيان يكون هذا أهم من الأسئلة والأجوبة في حد ذاتها. ما الذي يدفع المرء للاعتراض على ما يعترض عليه؟ ما الذي أوجد ذلك الدافع؟ على أي منهج فكري وفلسفي يستند هذا الاعتراض؟ ما الهدف الذي يريد أن يصل إليه؟ ما هو الحد الذي سيتوقف عنده ويقبل الإجابة؟ هل هناك إجابة يريدها مسبقا أم سيقبل أي إجابة مهما كانت العواقب؟ ما هو تصوره للدين ومن أين له ذلك التصور؟ ما هي مصادر المعرفة التي يعترف بها ولماذا؟

 هذه الأسئلة والكثير من غيرها هي ما يجب طرحه على هؤلاء القوم قبل الدخول معهم في أي نقاش مهما كان الموضوع. ما نراه الآن هو تقديم البعض على أنهم مفكرين ومصححين في حين أنهم بالكاد يستطيعون ربط أحذيتهم من غير مساعدة. ما نراه الآن ليس تجديدا وإنما هو زعزعة في ثقة الناس بالثوابت والهدف الأول الآن هو الدين. هناك حديث نبوي يقول فيه الحبيب ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال على الأرض الله الله). ما يفهم من هذا أن الدين سيندثر قبل قيام الساعة. السؤال الذي طالما يتبادر إلى ذهني هو عن كيفية حدوث ذلك. لكن يبدو أن السؤال لا فائدة منه الآن فنحن نشهد بداية هذا الاندثار بلا وعي منا